السبت، 3 أبريل، 2010

المثقف العار

عبد الرحمن ودادي / موقع تقدمي : الحالة الطبيعية هي أن يلعب المثقف الدور الأهم في نقل الوعي و تنوير العقول ليقود مجتمعه نحو الغد الأفضل و المستقبل الواعد ، لكن في مجتمعاتنا غالبا ما يكون المثقف لعنة على وطنه و عامل هدم و مساهما رئيسيا في تجذير الاستبداد و نتاجه الطبيعي الفقر و التخلف و الجهل.

المثقف حسب التعريف العام هو الحاصل على درجة كبيرة من التعليم سواء أكان التعليم في الجيولوجيا أو التاريخ أو القانون أو الاقتصاد أو الزراعة ، دائما ما يظن هذا النوع من المثقفين انه الأقدر على تشخيص مشاكل مجتمعه و الأكفأ للتصدي لها و بشكل آلي يوافق العوام على هذا التصور ليصبح مسلمة فكرية.

المثقف بهذا التصور هو مجرد حاصل على تعليم في مجال معين و ليس بالضرورة أكثر و عيا لمعاناة وطنه من عامل تنظيف أو سائق سيارة أو تاجر في السوق عرف المجتمع و خبر تقلبات السياسة و عاش مختلف الأنظمة.

الثقافة المؤهلة لقيادة المجتمعات هي المرتبطة بالوعي و الحاملة لقضية و ليست المعرفة المتراكمة في مجال معين ، فبدون الوعي تتفتت المعرفة لتخصصات منعزلة تعني بنطاق معين بذاته بعيدا عن التناغم مع الشأن العام أو لتتحول في أحسن حالاتها إلى شكل أكثر شمولية كمعرفة الشيطان الذي وجد مع بداية الكون و عاصر كل الأحداث و امتلك جل المعارف بدون ان يستفيد منها أو يفيد الآخرين.

الأخطر و الأدهى ان هذا النوع من الثقافة غالبا ما يساهم في تضليل الرأي العام، ففي الوقت الذي تئن فيه مجتمعاتنا تحت وطأة الاستبداد والفقر و الجوع و المرض نرى جل المثقفين ينشغل بالصراع بين القومية و الدين و اليسار و اليمين و البيض و السود و العلمانية و الحكم الديني، بل كثيرا ما نرى هذا النوع البائس من المثقفين يرتمي في أحضان الطغاة ليتقوى على خصومه الفكريين، بحجة أن الطاغية أفضل من خصمه القومي أو عدوه اليساري أو نقيضه السلفي.

طبعا يغذي المستبد الصراعات و يؤججها و يستغلها فنحن مازلنا نتذكر الصدام السياسي بين القوميين الناصريين و البعثيين حول أسبقية الوحدة أو الاشتراكية و الذي وجده البعض مبررا للارتماء في أحضان السلطة للاستعانة بها ضد الطرف الآخر أو الصراع بين السلفيين و الإخوان المسلمين الذي كان الحجة لأصحاب النفوس الضعيفة لتأييد الحاكم المستبد من اجل سحب البساط تحت أقدام الجناح المخالف.

كما نرى آخرين ينشغلون بصراعات حول الحداثة و الأصالة و الصراع بين العروبة و الزنجية و تفضيل الفرانكفونين على أصحاب لغة الضاد أو أهل الشرق على أهل القبلة أو عن أصولنا هل هي بربرية أم عربية و هل جد القبيلة هو الحميري راعي التيوس أم المضري سارق الدجاج ؟!! ما يذكرنا بعلماء بغداد الذين انشغلوا و شغلوا الناس بالنقاشات و الكتابة حول جنس الملائكة و هل هم ذكور أو إناث و عن العدد الذي يستطيع منهم الوقوف في آن واحد على رأس الإبرة ، في الوقت الذي كان المغول يزحفون باتجاههم ليقضوا على الحرث و النسل ويحرقوا المدينة بمن فيها.

هذه النوعية من المثقفين هي السائدة ، بعضهم يعاني غياب الوعي بسب التخصص و ضيق الأفق ، كما يهرب بعضهم الآخر من المواجهة لغلبة الجبن و الخوف و الطمع على نفسه ، غالبا ما نجدهم يتحججون بأعذار واهية لتبرير مواقفهم الدنيئة كتخلف المجتمع و عدم قابليته للإصلاح و مشكلة العقليات و إذا صادف ان احدهم وقف يوما ضد السلطة ، نراه يتحدث عن نضاله الأسطوري و تضحياته الجسام وإدراكه العميق في نهاية المطاف أن الحكمة و العقل و الثقافة تتلخص بالالتحاق بركب منافقي السلطة أو الهروب من المواجهة و الاكتفاء بالبحث عن المعاش و الزوجة و الأولاد في دعوة صريحة ووقحة لتحويل المجتمعات إلى حيوانات تجري و راء الطعام و غريزة التناسل.

المفارقة ان أكثرهم لا يحصل على أي شيء، بسبب ضعف سوق الثقافة في البلدان المتخلفة و كثرة المنافقين و احتقار الحكام الجاهلين للعلم والمعرفة وطبعا للمنافقين من أمثالهم ، حتى القلة المستفيدة تنتهي غالبا فقيرة معدمة بعد أن يضيع المال في محاولة التغطية على الشعور الطاغي بالخزي و المذلة المتولد عن النفاق و بيع النفس.

إنهم آفة المجتمع و عبيد الطغاة ، بئس الثقافة ثقافتهم و سحقا لألقابهم الطنانة و أفئدتهم الجبانة و نقاشاتهم الفارغة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
لمطالعة النص الأصلي للمقال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق